خامسا : هل للتصدُّق بخاتم أثناء الصلاة (سواء اعتبرناه عملاً واجباً أم مستحباً) كل تلك القيمة والأهمية التي تجعل الله تعالى ينصب فاعلَه، بآيات منزَّلة، في مقام الإمامة والولاية على الأمة؟!
سادسا : إن وقوع مثل تلك الحادثة بعيدٌ جداً وغريبٌ، فهل إجابة طلب السائل أثناء الصلاة كانت واجبة أو مستحبة إلى ذلك الحدّ الذي يجعل علياً (ع) غير قادرٍ أن ينتظر بضعة دقائق حتى ينتهي من صلاته ثم يتصدق على السائل بخاتمه؟
سابعا : استُخدِم زمنُ المضارع في جميع الأفعال الواردة في نص الآية، ومعلومٌ أن صيغة المضارع تدلُّ على التكرار،
هذا في حين أن هذا العمل بزعم واضعي تلك القصة لم يحصل إلا مرَّةً واحدةً، أفلا يدلُّ هذا على أن الآية المذكورة لا علاقة لها بتلك القصة (حتى ولو كانت واقعيَّةً)؟
ثامنا : جميع الأفعال والضمائر التي استخدمت في تلك الآية جاءت بصيغة الجمع، واستخدام صيغة الجمع للدلالة على المفرد نوع من المجاز، والمجاز يحتاج إلى قرينة، فأين القرينة هنا؟
وبعبارة أخرى:
نحن لا ندَّعي أنه لا يمكن استخدام فعل بصيغة الجمع أو استخدام ضمير الجمع للدلالة على المفرد
ولكننا نقول إذا ادَّعي شخصٌ أن في الآية الفلانية تم استخدام الفعل بصيغة الجمع أو ضمير الجمع للإشارة إلى شخص مفرد محدَّد فعليه أن يأتِ بقرينة وبيِّنة تؤيِّد مدَّعاه. فسؤالنا هنا: بأي قرينة عرفتم أن المقصودَ من
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فردٌ خاصٌّ مثل الإمام عليٍّ (ع)؟
تاسعا وَهُمْ رَاكِعُونَ } فليس له دخل في الصلاة أصلا وإنما الركوع هنا بمعنى الخضوع لله جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى عن داوود عليه السلام {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ 24 } ومعلوم أن داوود عليه السلام إنما خر ساجداً ولذا نسجد نحن إذا قرأنا هذه الآية سجود التلاوة , وداوود خر راكعاً فكيف يكون هذا ؟؟ نقول إن داوود خر ساجداً ولكن الله قال {خَرَّ رَاكِعًا } نقول أي خاضعاً لله جل وعلا , فالركوع هو الخضوع لله جل وعلا .
ومنه قول الله جل وعلا عن مريم عليها السلام { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ 43} أي إخضعي مع الخاضعين ولذا مريم كانت تعيش بيت المقدس , وهبتها أمها لبيت المقدس وأمرأة لا تجب عليها صلاة الجماعة مع الراكعين , وإنما المقصود إخضعي لله جل وعلا مع الخاضعين له سبحانه وتعالى .
فيكون مراد الله جل وعلا في هذه الآية كما ذكر أهل العلم ذلك { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } أي وهم في كل أحوالهم خاضعون لله جل وعلا .
عاشرا ومن يقرأ هذه الآية وما سبقها وما يتبعها من الآيات يعلم علم اليقين أن الآية لها سبب آخر غير هذا السبب , وذلك أن الله جل وعلا يقول قبيل هذه الآية بثلاث آيات : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فنهى الله جل وعلا المؤمنين أن يتولوا اليهود والنصارى , وقد جاء في الحديث وهو حديث حسن الإسناد أن سبب هذه الآية هي قصة وقعت لعبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه وذلك أن عبد الله بن أُبي بن سلول شفع عند النبي صلى الله عليه وسلم لبني قينقاع , لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلهم شفع لهم عبد الله بن أبي بن سلول وأكثر في هذا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تركهم له صلوات الله وسلامه عليه فأراد إخوانهم اليهود من بني النظير أن يشفع لهم عبادة بن الصامت كما شفع عبدالله بن أُبي بن سلول لإخوانه اليهود فرفض رضي الله عنه أن يشفع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولذلك عبادة بن الصامت من أصحاب بيعة العقبة , عبادة بن الصامت من المؤمنين , عبد الله بن أبي من المنافقين بل رأس المنافقين , فكيف يصنع عبادة بن الصامت كما صنع عبد الله بن أبي بن سلول , ولذلك رد عليهم قولهم ورفض الشفاعة لهم فأنزل الله تبارك وتعالى قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } حتى قال الله تبارك وتعالى { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ.. } فنجد أن الآيات تتكلم عن ولاية المؤمنين بشكل عام ولا تتكلم عن قضية رجل تصدق بصدقة وهو يصلي
والان !!!!!!!!!!!!!!!!!!!! !!
إذا أراد الله تعالى أن يعلن إمامة عليٍّ (ع) بهذه الآية
فأولاً
لماذا لم يفعل ذلك بذكره لاسم الإمام صراحةً، لكي يُسْكِتَ بذلك المخالفين ويقطع العُذر على المتحجِّجين؟
و استخدام ضمائر الجمع وصيغة المضارع
(مع أن كلا الأمرين يطرحان إشكالاً قوياً وجدِّيَّاً في استنباط أن المقصود من الجملة هو الإمام عليّ)؟
فأي ضرورة تستدعي أن يُستَخْدَم ضمير الجمع أو صيغة الجمع في الحديث عن فرد واحدٍ معيَّنٍ،
وأن يُستَخْدَم زمن المضارع في الحديث عن عمل حدث مرَّةً واحدةً، الأمر الذي يخلق إشكالات وصعوبةً في استنباط أن المقصود من الآية هو الإمام عليٌّ (ع)
ويدفع عدداً كبيراً من المسلمين (أي أهل السنة) إلى الخطأ في فهم الآية والضلال؟!.
لكلمة «ولي» التي استُخدمت في الآية معان مختلفة، ولمعرفة المعنى الصحيح الذي أراده اللهُ عزَّ وجلَّ من هذه الكلمة في الآية المذكورة يجب أن ننظر إلى الآيات السابقة واللاحقة
لقد نهى الله تعالى المؤمنين في الآيات السابقة عن موالاة اليهود والنصارى (سعياً وراء بعض المصالح الدنيوية التي قد تجلبها لهم تلك المولاة) وهدَّدهم قائلا:
﴿... وَمَن يَتَوَلَّـهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
ففي الآية مورد البحث أراد الله تعالى أن يقول إن وليَّكم وناصركم وحليفكم الحقيقي هو الله ورسوله
وجماعة المؤمنين الصادقين
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويؤدون تلك العبادات بكل خشوع وخضوع.
وبعد هذه الآية (تماماً مثل ما جاء في الآيات التي قبلها التي بيَّنت العاقبة الوخيمة لموالاة الكفار)
بيَّنَ الله تعالى العاقبة الحميدة لموالاة الله ورسوله والمؤمنين الصادقين ومحبتهم ونصرتهم قائلاً: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾.
بهذا نرى أننا إذا أخذنا كلمة «ولي» على معنى «الصديق والمحبّ والنصير» نكون قد حافظنا على ارتباط وتناسق الآية ضمن السياق الذي جاءت فيه.
أما إذا أخذنا كلمة «ولي» على معنى «الرئيس» أو «الأَوْلى بالتصَرُّف» أو «الإمام المفترض الطاعة»
فإن نظم الآيات واتساقها يختلُّ ويقع انقطاعٌ في تسلسلها
. ويجيب علماء الشيعة على هذا الإشكال بأن الآية ابتدأت بأداة الحصر «إنَّما»،
فإذا أخذنا كلمة «وليّ» على معنى الصديق والمحب والنصير، لما كان للحصر أي معنى
لأننا جميعاً نعلم أن صديقنا الحقيقي لا يقتصر على الله ورسوله والإمام عليٍّ فقط لا غير.
ولكن هذه الإجابة تعاني من ثلاثة إشكالات:
· 1-4. في هذه الإجابة اعتُبِرَت قصَّة تصدُّق الإمام عليٍّ (ع) بخاتمه ونزول القرآن في هذا الشأن من المسلَّمات،
هذا في حين أن مثل تلك القصة ورواية سبب النزول المرتبطة بها مختلقَة من أساسها.
فقبل أن يتم إثبات صحة تلك القصة وقطعيتها فإن مثل ذلك التبرير والتوجيه الذي ذكر في الإجابة لا يبدو منطقياً.
· 2-4. حتى لو كانت القصَّةُ المذكورةُ حقيقيَّةً ونزولُ الآية في الإمام عليٍّ (ع) صحيحاً،
فإن هذا لا يمنع أن نفهم كلمة «وليّ» في الآية أيضاً على معنى «الصديق والمحب والنصير» وأن يكون مقصود الله تعالى من ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ليس الإمام وحده فقط،
بل يكون الإمام أحد مصاديق المفهوم الكلي للآية، ويكون المقصود بها عامَّة المؤمنين الصادقين،
بمعنى أن الآية تريد أن تقول إن أولياءكم الحقيقيين
هم مثل هؤلاء المؤمنين
(الذين أحد نماذجهم الإمام عليّ (ع».
· 3-4. إذا كانت أداةُ الحصر «إنما»
التي ابتدأت بها الآية مانعةً من تفسير كلمة «الولي» بـ «الصديق والمحب والنصير»،
فإن أداة الحصر تلك مانعةٌ من استخدام كلمة «الوليّ»
بمعنى «الإمام والأَوْلى بالتصَرُّف» أيضاً.
ولإيضاح هذه النقطة لنفرض أن
الآية نزلت في الإمام عليٍّ (ع)
و أن معنى «وليّ» فيها هو ما تقوله الشيعة أي
«الأولى بالتصرُّف».
حسناً،
ولكن استناداً إلى هذا الاستدلال الشيعي