إعلانات

 


العودة   منتدي حوارنا الإسلامى > ~*¤ô§ô¤*~ مكـــتــــبــــة حـــــوارنـــــــــا الإســـــــلاميــــة ~*¤ô§ô¤*~ > مـكـتـبـــــة الـكــــتـــــــب الإســـــلاميــــــــــة

مـكـتـبـــــة الـكــــتـــــــب الإســـــلاميــــــــــة مـكـتـبــة الــكـــتــــــــــــــــــــــــــب الإسـلامـيــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-24-2009, 06:45   رقم المشاركة : 1
الكاتب

تيسير الغول


الملف الشخصي


تيسير الغول غير متواجد حاليآ بالمنتدى

من مواضيعي

» كتاب مجمل الاقوال في خضاب الرجال
» العرب وصناعة التهويش/ الكاتب تيسير الغول
» الديماغوجيا العربية/تيسير الغول
» هل يوجد سنة قبلية لصلاة الجمعة؟/ تيسير الغول
» حينما يكون الامام رئيساً للوزراء/تيسير الغول


 


افتراضي كتاب مجمل الاقوال في خضاب الرجال


كتاب مجمل الأقوال في خضاب الرجال
صبغ اليدين والقدمين والرأس واللحية بالسواد والحمرة والصفرة وما يتعلّق بذلك من أحكام


تأليف تيسير الغول







معنى الخضاب
اعلم أن أصل كلمة خضاب هي من الجذر خضب. وخَضَب الشيءَ يَخْضِبه خَضْباً ، وخَضّبه : غَيّر لونه بحمرة أو صُفرة أو غيرهما أي خضب شعره ويده بالخضاب، وكف خضيب، وبنان مخضب. وطلعت الكف الخضيب وهي نجم. واختضب الرجل وتخضّب. وامرأة خضبة: كثيرة الاختضاب، وقد خضبت تخضب.وأعطني من مخاضب حنائك وهي خرق الخضاب. قال الأعشى :
أرى رجلاً منكم أسِيفاً كأنما يَضُمّ إلى كَشْحَيه كَفّاً مُخضَّبَاً( )
ومن أهم المواد التي يستخدم فيها الخضاب: الحناء والكَتَم والخِطْر وهو نبات يجُعل في الخِضاب الأسود . قال أبو حنيفة : هو شَبيه بالكَتَم .وكثيراً ما ينبُت معه ، ويَختضب به الشيوخ .
الشيب والمشيب في ديوان العرب

"تقول العرب: رجل " مَلْهُوز " إذا بدا الشيب في رأسه، ثم هو أشمط إذا اختلط السواد والبياض، ثم هو " أشْيَب " .
و " القَرَن " في الحاجبين: أن يطولا حتى يلتقي طرفاهما، و" البَلَجُ " أن يتقطعا حتى يكون ما بينهما نقياً من الشعر، والعرب تستحبه وتكره القَرَن، و " الزَّجَجُ " طول الحاجبين ودقتهما وسبُوغهما إلى مؤخر العينين" ( ).
يقال: بلع الشيب في رأسه: ظهر وارتفع. ويقال أيضاً: ثقبه الشيب إذا وخطه. وثقب الشيب في اللحية: أخذ في نواحيها. وأجهد فيه الشيب: كثر وانتشر. وخيّط الشيب في رأسه ولحيته:أي جُعل فيهما شبه الخيوط،. ويقال أيضاً: شاع في رأسه الشيب.وخصف الشيب لمّته: جعلها خصيفاً. قال الشاعر:
دنت حفظتي وخصف الشيب لمتى ... وخليت بالي للأمور الأباطيل"" ( )
وقال شاعر آخر
بكيت فما تبكي شباب صباك ... كفاك نذير الشيب فيك كفاك
ألم تر أن الشيب قد قام ناعيا ... مكان الشباب الغض ثم نعاك
ألا أيها الفاني وقد حان حينه ... أتطمع أن تبقى فلست هناكا
تموت كما مات الذين نسيتهم...وتُنسى ويهوىالحي بعدهواكا ( )
قال الأصمعي : دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا كبيرا فقال له: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ قال: لا والله. قال: ولم وقد بلغت في السن ما أرى؟ قال: ذهب الشباب وشرّه وجاء الكبر وخيره، فإذا قعدتُ ذكرت الله وإذا قمتُ حمدت الله فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان.
وعن الأصمعي أيضاً قال: قيل لعبد الملك بن مروان: عجّل عليك الشيب. قال :وكيف لا يُعجّل علي وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين( ).
ولله درّ القائل:"من نزل به الشيب فهو بمنزلة الحامل التي تمت شهور حملها فما تنتظر إلا الولادة. وكذلك صاحب الشيب لا ينتظر إلا الموت فقبيح منه الإصرار على الذنب"( ).
قال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الصَّرْصَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا وَصَدَّتْهُ الْأَمَانِي أَنْ يَتُوبَا
أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي أَضْحَى حَزِينًا عَلَى زَلَّاتِهِ قَلِقًا كَئِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي سُطِرَتْ عَلَيْهِ صَحَائِفُ لَمْ يَخَفْ فِيهَا الرَّقِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْمُسِيءُ عَصَيْتُ سِرًّا فَمَا لِي الْآنَ لَا أُبْدِي النَّحِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمُرِي فَلَمْ أَرْعَ الشَّبِيبَةَ وَالْمَشِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مَدَدْتُ كَفِّي إلَيْكُمْ فَادْفَعُوا عَنِّي الْخُطُوبَا
"وعن محمد بن عجلان عن سعيد قال: كان من دعاء داود النبي عليه السلام: اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ومن زوجة تشيبني قبل المشيب ومن ولد يكون على ربا ومن مال يكون علي عذابا ومن خليل ماكر عيناه تراني وقلبه يرعاني إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها"( ).
قال ابن الجوزي :
"الشباب باكورة الحياة، والشيب رداء الردى، لو أن أيام الشباب تباع لبذلنا فيها أنفس الأنفس، متى أسفر صبح المشيب هوى نجم الهوى، إذا قرع المرء بباب الكهولة فقد استأذن على البلى، من عرف الستين أنكر نفسه، ومن بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية.
يا من انطوى ثوب شبابه ، وبلغت سفينة سفره الساحل، قف على ثنية الوداع.
فَلَم يَبقَ إِلا نَظرَةٌ تَتَغَنَمُ قطع الشيب سلك العمر، فالتقط الخرز، ، واشدد بالعمل بعض الخرز. عمرك يذوب ذوبان الثلج، وتوانيك أبرد منه" ( ).

وقال أيضاً في صيد الخاطر :
"أيها الشيوخ استعدوا للرحيل ، فمن علم قرب الرحيل عن مكة استكثر من الطواف خصوصاً إن كان لا يؤمل العود لكبر سنه وضعف قوته.
فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات، وينتظر الهاجم بما يصلح له.
فقد كان في قوس الأجل منزع زمان الشباب، واسترخى الوتر في المشيب عن تيه القوس. فانحدر إلى القاب وضعفت القوى. وما بقي إلا الاستسلام لمحارب التلف، فالبدار البدار إلى التنظيف ليكون القدوم على طهارة" ( ).
قال د. محمد بن إبراهيم النعيم:
"اعلم إن الشيب نعمة، لأنه نذير ومذكر للفطن بقرب أجله، قال تعالى (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) [فاطر: 36-37].
وقال عبد العزيز بن أبي رواد لرجل: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء: الإسلام والقرآن والمشيب
قال المستنجد بالله :
عيَّرتني بالشَّيب وهو وقارُ……ليتها عيَّرتْ بما هو عارُ
إن تكن شابت الذوائب ……منِّي فالليالي تزينها الأقمار" ( ).انتهى

ذكر الشيب في القرآن

يقول الله تعالى في سورة مريم آية 4 :
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)
قال الزمخشري في كشافه:" شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا..
وإن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصيحة جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر:
واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضا " ( )
وقال آخر:
إن ترى رأسي أمسى واضحاً ... سُلّط الشيب عليه فاشتعل

"والشيب : بياض الشعر . ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر ، ونقصانها بسبب كبر السن غالباً ، فلذلك كان الشيب علامة على الكبر ، وقد يبيضّ الشعر مِنْ مرض"( ) .
ويقول سبحانه في سورة الروم آية 54:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)
"قال الإِمام ابن كثير : روى البخارى عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : " اللهم إنى أعوذ بك من البخل ، والكسل ، والهرم ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " ولفظ بَهْز بن أَسَد : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِهَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات( ).
وقال زهير بن أبى سلمى فى معلقته المشهورة :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم"( ).
يقول ابن عثيمين رحمه الله:
"أول ما يخلق الإنسان طفلاً صغيراً يمكن أن تجمع يديه ورجليه بيد واحدة منك، وتحمله بهذه اليد ضعيفًا، ثم لايزال يقوى رويداً رويداً حتى يكون شاباً جلداً قوياً، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف، وقد شبه بعض العلماء حال البدن بحال القمر يبدو هلالاً ضعيفاً، ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يمتلىء نوراً، ثم يعود ينقص شيئاً فشيئاً حتى يضمحل، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة "( ).

أحاديث نبويّة في ذكر الخضاب والشيب

1- عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أحسن ما غُير به الشيب الحناء والكتم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأبو الأسود الديلي اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان .قال الألباني :صحيح ، وقد رواه ابن ماجة والترمذي وغيرهما( )
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث : هل المقصود فيه هو استخدام الحناء وحده دون الكتم أم استخدام الكتم دون الحناء . أم أن المقصود استخدامهما معاً. على ثلاثة أقوال. وسبب الاختلاف أن استخدام الكتم وحده قد يظهر الشعر من بعيد كأنه أسود خالص. ولكن الذي يظهر من قول العلماء أنه لا بأس به، فيستخدم الحناء وحده أو الكتم وحده، أو يجمع بينهما، كل ذلك سائغ.
قال الابادي في شرح سنن أبي داود:
"والصبغ بهما معا يخرج بين السواد والحمرة والحديث يدل على أن الحناء والكتم من أحسن الصباغات التي يغير بها الشيب وإن الصبغ غير مقصور عليهما لدلالة صيغة التفضيل على مشاركة غيرهما من الصباغات لهما في أصل الحسن وهو يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع . وقد أخرج مسلم من حديث أنس قال واختضب أبو بكر بالحناء والكتم واختضب عمر بالحناء بحتا أي منفردا وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائما.
وقال بعض العلماء : المراد بالحديث تفضيل الحناء والكتم على غيرهما في تغيير الشيب لا بيان كيفية التغيير فيكون معنى الحديث: الحناء والكتم من أفضل ما غير به الشيب لا بيان كيفية التغيير وقال العلامة المناوي في شرح الجامع الصغير: الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة ويخضب به وورقة كورق الزيتون وثمره قدر الفلفل وليس هو ورق النيل كما وهم ولا يشكل بالنهي عن الخضاب بالسواد لأن الكتم إنما يسود منفردا فإذا ضم للحناء صير الشعر بين أحمر وأسود والمنهي عنه الأسود.
وقال المناوي في شرح الشمائل: الكتم بفتحتين ومثناة فوقية وأبو عبيد شددها. نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة ويخضب به .
وفي كتب الطب الكتم من نبات الجبال ورقه كورق الإس يخضب به مدقوقا وله ثمر كقدر الفلفل ويسود إذا نضج ويعتصر منه دهن يستصبح به في البوادي ثم قال: ففيه إشعار بأن أبا بكر كان يجمع بينهما لا بالكتم الصرف الموجب للسواد الصرف لأنه مذموم .
وفي القاموس: الكتم نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر فيبقى لونه وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد للكتابة . وقال الحافظ: الكتم الصرف يوجب سوادا مائلا إلى الحمرة والحناء يوجب الحمرة فاستعمالهما يوجب ما بين السواد والحمرة( ).
5- وعن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي عن عبيد الله وهو بن عمرو بن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن بن عباس مرفوعاً: ( يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة).
احتجت طائفة من العلماء بتحريم السواد من خلال هذا الحديث . فقد أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في خضاب بالسواد وقال:
( وهذا فيه ترهيب من الخضاب بالسواد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا سيكون، وذم الذين يكونون كذلك، وذكر أنهم متوعدون بهذا الوعيد، وهذا دليل على تحريم الخضاب بالسواد. وقوله: (كحواصل الحمام) حواصل الحمام سود، يعني: أن شكل الذي يفعلونه في شعرهم كشأن السواد الذي يكون على حواصلها، والحواصل هي مكان اجتماع الطعام فيها، فإنه في الغالب يكون أسود)( ).
إلا أن طائفة أخرى من العلماء قد فنّدت المعنى المقصود في هذا الحديث على جواز الصبغ بالسواد وقد أجاب المجوّزون عن هذا الحديث بوجوه ثلاثة كما قال الأحوذي في كتابه التحفة:
( الأول أن في سنده عبد الكريم بن أبي المخارق أبا أمية كما صرح به ابن الجوزي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه.
وقد رد هذا الجواب بأن عبد الكريم هذا ليس هو ابن أبي المخارق أبا أمية بل هو عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد وهو من الثقات .
قال الحافظ ابن حجر في القول المسدد: أخطأ ابن الجوزي فإنما فيه عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح.
وقال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو بن أبي المخارق وضعف الحديث بسببه والصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري وهو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما.
والثاني أن الوعيد الشديد المذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد بل على معصية أخرى لم تذكر كما قال الحافظ بن أبي عاصم. ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضب بالسواد إذا لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح
والثالث أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع لا مطلقا جمعا بين الأحاديث المختلفة وهو حرام بالاتفاق) ( ).
وإلى ذلك ذهب الطحاوي في شرح مشكل الآثار فقال:
(وبذلك عقلنا أن الكراهة إنما كانت لذلك لأنه أفعال قوم مذمومين لا لأنه في نفسه حرام وقد خضب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد. منهم عقبة بن عامر كما حدثنا يونس قال أخبرني يوسف بن عمرو بن يزيد عن ابن لهيعة عن أبي عشانة قال: كان عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول: نسود أعلاها وتأبى أصولها . ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل)( ).

2- "روى السيوطي في الجامع الكبير عن ابن النجار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يستحي أن يعذب شيبة شابت في الإسلام) رواه السيوطي في الجامع الكبير عن ابن النجار بسند ضعيف بلفظين آخرين : أحدهما إن الله ليستحي من عبده وأمته يشيبان في الإسلام يعذبهما. وثانيهما إن الله عز وجل يستحيي من ذي الشيبة إذا كان مسددا كروما للسنة أن يسئله فلا يعطه ، وهكذا ذكره الغزالي في الدرة الفاخرة"( ) .
(قال العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الالباس 1/244) :
( ليس يراد بالحياء هنا انقباض النفس، إذ هو تعالى منزه عن الوصف بذلك وإنما المراد به ترك تعذيبه، وعلى هذا ما روي: (إن الله حيي) (الحديث عن سلمان عن النبي قال: (إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم. قال البغوي: هذا حديث حسن غريب)( ).
(وأَمّا حياءُ الربّ - تبارك وتعالى - من عبده فنوع آخر لا تدركه الأَوهام ولا تكيّفه العقول، فإِنَّه حياءُ كرم وبرٍّ وجُودٍ، فإِنَّه خير كريم يَستحى من عبْده إِذا رَفَعَ إِليه يديه أَن يردَّهما صِفراً، ويستحى أَن يعذّب ذا شَيْبة شابت فى الإِسلام. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من يذنب عبْدُه ويستحى هو.
واختلف العلماءُ فى الحياءِ ممّا ذا يتولَّد. فقيل: من تعظيمٍ منوط بودّ. وقال الجُنَيد: يتولَّد من مشاهدة النِّعم ورؤية التَّقصير. وقيل: يتولَّد من شعور القلب بما يُستَحى منه وشدّة نُفْرته عنه فيتولَّد من هذا الشعور والنفرة حالة تسمّى الحياءُ. ولا تَنَافِىَ بين هذه الأَقوال، لأَنَّ للحياءِ عدّةَ أَسباب، كلّ أَشار إِلى بعضها( ).

3- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : مَنْ غَيَّرَ الْبَيَاضَ سَوَادًا لَمْ يَنْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(هذا الحديث منكر لا أصل له. أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده، وابنُ عدي في «الكامل» قال: حدثنا الهيثم بن خلف الدوري، قالا: ثنا محمد بن بكارٍ، ثنا أبو سعيد المؤدب محمد بن مسلم، ثنا محمد بن عبيد الله، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا فذكره. قال ابنُ عدي: «وهذا المتنُ لا أعرفُهُ إلاَّ من هذا الوجه». وآفةُ هذا الحديث: محمد بن عبيد الله العرزميُّ، فإنه واهٍ. فقد تركه جماعةٌ، وضعَّفه عامةُ النقاد. وختم ابنُ عدي- مع توسطه- ترجمته بقوله: «عامةُ رواياته غير محفوظةٍ»( ). والله أعلمُ.

4- عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله : « عليكم بخضاب السواد فإنه أرهب لكم في صدور عدوكم وأرغب نسائكم فيكم »
قال الشيخ الحويني هذا الحديث منكرٌ ، أخرجه ابنُ ماجه ( 3625 ) عن عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي ، وابنُ عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ج2 / ق 536 ) عن سعيد بن عبد الجبار ، ونجم الدين النسفي في ( أخبار سمرقند ) ( ص329 ) عن عبيد الله بن عمرو ، ثلاثتهم قالوا : حدثنا دفاع بن دعقل السدوسي ، عن عبد الحميد بن صيفي ، عن أبيه ، عن جدِّه صهيب الخير ، فذكره مرفوعًا .
ولفظ ابن ماجه : ( إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السوادُ ؛ أرغبُ لنسائكم فيكم ، وأهيبُ لكم في صدور عدوكم ) .
ونقل الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي عن البوصيري أنه قال في ( الزوائد ) اسناده حسن ولكني لم أجد هذا الكلام في الزوائد ، ولو ثبت أنه فيه وسقط من النسخة فهو خطأ ؛ ولأن أبا حاتم الرازي ضعف دفاع بن دعقل كما في ( الجرح والتعديل ) ( 1/ 2/ 445 ) ، واعتمد تضعيفه الحافظ في ( التقريب ) ( ).

وقد وردت أحاديث كثيرة أخرى في ذكر الشيب والخضاب ولكنها موضوعة أو ضعيفة ومن هذه الاحاديث :
- أول من خضب بالحناء والكتم إبراهيم، وأول من اختضب بالسواد فرعون" . "
- "شوبوا شيبكم بالحناء فإنه أسرى لوجوهكم وأطيب لأفواهكم وأكثر لجماعكم،
- الحناء سيد ريحان الجنة، الحناء يفصل ما بين الكفر والإيمان" .
- "الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر" . "
- "عليكم بسيد الخضاب الحناء. يطيب البشرة ويزيد في الجماع" . "
- "غيروا الشيب ولا تقربوا السواد" .
- وعن حسان بن أبي جابر السلمي" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجالا من أصحابه قد صفروا لحاهم وآخرين قد حمروها قال: "مرحبا بالمصفرين والمحمرين" قال ابن السكن: في إسناده نظر.
- "خضاب الإسلام الصفرة، وخضاب الإيمان الحمرة" .
والى غير ذلك من الاحاديث الكثيرةالتي لا يحتج بها. وقد آثرت أن أذكرها للحذر من تداولها أو الاحتجاج بها . والله المستعان.

باب النهي عن نتف الشيب

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نتف الشيب وقال: هو نور المؤمن وفي رواية ابن حنبل في مسنده ج 2/ ص 207: ما شاب رجل في الإسلام شيبة الا رفعه الله بها درجة ومحيت عنه بها سيئة وكتبت له بها حسنة . أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه النسائي وابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الامام البغوي: هذا حديث حسن. ورواه محمد بن إسحاق ، وعبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب. ( )
قال الغزالي : "والشيب نور الله تعالى والرغبة عنه رغبة عن النور ونتفه أو نتف بعضه بحكم العبث والهوس وذلك مكروه ومشوه للخلقة ونتف الفنيكين بدعة وهما جانبا العنفقة. وقد شهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته.
ومن الناس من يخجل عند ظهور أول الشيب عليه، ويكره أن يُرى عليه فيقوم بنتفه، وما علم أن الشيب نور لصاحبه يوم القيامة.
وقد رد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته وأما نتفها في أول النبات تشبها بالمرد فمن المنكرات الكبار. فإن اللحية زينة الرجال"( ).
"وعن أبي معشر ، عن إبراهيم أنه كان يكره نتف الشيب ، لكن إذا كان ذلك ، فليقرضه قرضا. روي عن سعيد بن المسيب أن إبراهيم أول من اختتن ، وأول من رأى الشيب ، فقال : رب ما هذا ؟ فقيل له : وقار ، فقال : رب زدني وقارا"( ).







باب في تزين الرجال

رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَابِ ، فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ ، وَفِي الدَّارِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَل يَنْظُرُ فِي الْمَاءِ وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْرَهُ . فَقُلْتُ : يَا رَسُول اللَّهِ . وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا ؟ قَال : نَعَمْ ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال ( )
(وَيَنْبَغِي أَلاَّ يُقْصَدَ بِالتَّزَيُّنِ التَّكَبُّرُ وَلاَ الْخُيَلاَءُ ؛ لأَِنَّ قَصْدَ ذَلِكَ حَرَامٌ .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ مَا نَصُّهُ : اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَال وَقَصْدِ الزِّينَةِ ، فَالْقَصْدُ الأَْوَّل : لِدَفْعِ الشَّيْنِ وَإِقَامَةِ مَا بِهِ الْوَقَارُ وَإِظْهَارُ النِّعْمَةِ ، شُكْرًا لاَ فَخْرًا ، وَهُوَ أَثَرُ أَدَبِ النَّفْسِ وَشَهَامَتِهَا .
وَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ قَصْدُ الزِّينَةِ أَثَرُ ضَعْفِهَا ، وَقَالُوا بِالْخِضَابِ وَرَدَتِ السُّنَّةُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الزِّينَةِ . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ حَصَلَتْ زِينَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ قَصْدٍ مَطْلُوبٍ فَلاَ يَضُرُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ . ولُبْسُ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ لاَ يَتَكَبَّرُ ؛ لأَِنَّ التَّكَبُّرَ حَرَامٌ وَقَدْ تَعْرِضُ لِلتَّزَيُّنِ أَحْكَامٌ تَكْلِيفِيَّةٌ أُخْرَى ، فَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ ، وَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ ، وَمَا هُوَ حَرَامٌ .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ : سَتْرُ الْعَوْرَةِ ، وَتَزَيُّنُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا مَتَى طَلَبَ مِنْهَا ذَلِكَ .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ : تَزَيُّنُ الرَّجُل لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ ، وَخِضَابُ الشَّيْبِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ : لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ لِلرِّجَال.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ حَرَامٌ : تَشَبُّهُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ ، وَتَزَيُّنُ الرَّجُل بِالذَّهَبِ)( ).
"ولا شك أن الزينة التي يتزين بها الرجل غير الزينة التي تتزين بها المرأة ، ولكنهما يتماثلان فيما وراء الشكل والصور من أهداف ونتائج".
وقال بعض أهل العلم: التماثل هاهنا في تأدية كل واحد منهما ما عليه من الحق لصاحبه بالمعروف ، ولا يماطله به ، ولا يظهر الكراهة ، بل ببشر وطلاقة ، ولا يتبعه أذى ومنة: (وعاشروهن بالمعروف) وهذا من المعروف". ( )
قال الحكيم الترمذي:
"فمن التزين أن يخفي شيبه، ويخضبه بسواد، فإن كان لهذا يفعله فهو خارج من النهي عندنا.. ألا ترى أن محمد بن الحنفية رحمه الله لما خرج إلى الناس بلحية حمراء أنكروا عليه، فقال: هذا ألقته علىّ أهلي، وإنهن يحببن منا ما نحب منهن...! حدثنا بذلك فضالة بن فضل، والجارود به معاذ، قالا: حدثنا يزيغ الحنظلي، عن أبي وهب، عن الضحاك، عن محمد بن الحنفية.
ألا ترى أن عثمان رضي الله عنه لما دخل بامرأته، فرأت به منالشيب، ففطن لها عثمان رضي الله عنه، فقال لها: إنما وراء الشيب ما تحبين.
فللنساء في هذا تمييز ونظر وميل إلى الأشب فالأشب؛ لأن نهمتها في الرجال؛ لأنها خلقت من الرجل.

وكذلك الحسن بن علي رضي الله عنه اختضب بالسواد؛ لأنه في الخبر أنه تزوج ثلثمائة" ( ).

قال ابن عباس : "إني لأتزين لامرأتي". "قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم ، فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق ، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشباب ، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه ، والشاب إذا فعل ذلك سمج ومقت. لأن اللحية لم توفر بعد ، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج ، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي". وكذلك في شأن الكسوة ، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ، فإنما يعمل على اللبق والوفاق عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال. وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به. فأما الطيب والسواك وتسريح الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع. والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ، وهو حلي الرجال ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره. وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التي تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها"( ).
وهناك اعتقاد خاطئ منتشر بين الرجال وهو عدم تزين الرجل لزوجته والتجمل لها وإشباع رغبتها؛ بحجة أن هذا يقلل من هيبته ورجولته.
وهناك من الرجال أيضاً عندما تتقرب إليه زوجته وتبدع في ذلك بلباسها وزينتها فإنه يسألها من أين تعلمتِ هذه التصرفات؟! ويفتح لها ملف تحقيق، ونسي هذا الزوج أن النبي صلى الله عليه وسلم رغّب فيمن تمتلك صفة 'تداعبك' و'تلاعبك'، ومن تستحي من ذلك فإن هذا حياء مزيف في غير موضعه، في عدم تبرجها لزوجها والتفنن في إشباع حواسه، بينما نجد بعضهن يتبرجن في الخارج من غير حياء، فأي تناقض هذا الذي تعيشه بيوتنا وغرف نومنا؟!.
وكذلك بعض الزوجات فإنه يطلب منها زوجها أن تلبس له ملابس معينة فترفض، وإذا خرج الزوج من منزله وقعت عيناه على الغريب والعجيب من المناظر والملابس, ثم تشتكي بعد ذلك من الخيانة الزوجية. فيجب أن يراعى ذلك كله حسب التقديرات الشرعية والمصلحة الزوجية التي تبقي على ركائز الاسرة متينة قوية من غير افراط ولا تفريط.


باب النهي عن خضاب اليدين والقدمين للرجل

"وخضاب اليدين بالنسبة للرجل لا يجوز إلا إذا كان للعلاج أو للتداوي، فلا بأس بذلك"( ).
عن مالك بن أنس - رحمه الله - : قال : «بلغني أَن ناسا من أَهل العلم كَرِهُوا خضاب اليدين والرجلين للرجال» ، لهذا الحديث المذكور عن أَبي هريرة، ولم يبلغني فيه إِلا أَنه مستحب للنساء.( ) .
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: وَخِضَابُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ لِلرَّجُلِ حَرَامٌ لِخَبَرِ: (لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ من الرِّجَالِ) إلَّا لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فإنه يُسْتَحَبُّ لها مُطْلَقًا وَالْخُنْثَى في ذلك كَالرَّجُلِ احْتِيَاطًا وَيُسْتَحَبُّ فَرْقُ الشَّعْرِ أَيْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَتَرْجِيلُهُ أَيْ تَمْشِيطُهُ بِمَاءٍ أو دُهْنٍ أو غَيْرِهِ مِمَّا يُلَيِّنُهُ وَيُرْسِلُ ثَائِرَهُ وَيَمُدُّ مُنْقَبِضَهُ وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ لِخَبَرِ أبي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ من كان له شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ( )
وقال الدمياطي في حاشية إعانة الطالبين: وخضاب اليدين والرجلين بالحناء للرجل والخنثى حرام بلا عذر
"روى الجماعة إلا مسلمًا أن النبى صلى الله عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال ، والمترجلات من النساء، وقال : ( أخرجوهم من بيوتكم، وأخرجوا فلانًا وفلانًا، يعنى : المخنثين ) ، وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة : (بهم وهيت وماتع) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى إنما كان تخنيثهم وتأنيثهم لينًا فى القول، وخضابًا فى الأيدى والأرجل، كخضاب النساء ولعبًا كلعبهن .
وفى سنن أبى داود عن أبى يسار القرشى عن أبى هاشم عن أبى هريرة : أن النبى صلى الله عليه وسلم أُتى بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحنّاء، فقال : ( ما بال هذا ؟ ) فقيل : يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفى إلى النقيع، فقيل : يا رسول الله ألا نقتله . فقال : ( إنى نهيت عن قتل المصلين ) رواه البيهقي في السنن الكبرى وأبو داود ( )، قال أبو أسامة حماد بن أسامة : والنقيع : ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع، وقيل : إنه الذى حماه النبى صلى الله عليه وسلم لإبل الصدقة، ثم حماه عمر، وهو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقيل : عشرين ميلا . ونقيع الخضمات موضع آخر قرب المدينة، وقيل : هو الذى حماه عمر . والنقيع : موضع يستنقع فيه الماء، كما فى الحديث : ( أول جمعة جمعت بالمدينة فى نقيع الْخَضَماتِ " ( ).
قال العلماء في فتاوى الشبكة الاسلامية على الشبكة العنكبوتية:
ومن استعمالات الخضاب في الزينة خضاب اليدين والرجلين لغير التداوي، وهو جائز للمرأة، بل وكره للمرأه ترك الخضاب لئلا تتشبه بالرجال ويكره لها التطاريف أي لا تخضب اطراف اصابعها ولكن تغمس اليدين في الخضاب غمسا. أما الرجل فمختلف في جوازه له، فمن العلماء من أباح له ذلك، ومنهم من حرمه.
قال المناوي: (يجوز للمرأة خضب يديها ورجليها مطلقاً، لكن خصه الشافعية بغير السواد كالحناء، أما السواد فحرام على الرجال والنساء إلا للجهاد، ويحرم خضب يدي الرجل ورجليه بحناء على ما قال العجلي وتبعه النووي، لكن قضية كلام الرافعي الحِلْ).
ولقائل أن يقول: لا ينبغي أن يصار إلى التحريم إلا بدليل بين، ولا توجد أدلة صريحة صحيحة تمنع الرجال من خضاب اليدين والرجلين، فيبقى الأمر على الجواز، إلا إذا عرف في بلد بعينه أنه لا يفعل هذا إلا تشبهاً بالنساء، بأن كان خضاب الرجلين واليدين في ذلك البلد مختصا بالنساء، والأولى تركه عند عدم الحاجة اليه على كل حال. والله أعلم.

باب خضاب النبي عليه الصلاة والسلام

عن حماد بن زيد عن ثابت قال: سئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن خضاب النبي صلى الله عليه و سلم فقال: لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت وقال لم يختضب.
وقد اختضب أبو بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم واختضب عمر رضي الله عنه بالحناء بحتا لفظ حديث أبي الربيع وفي رواية سليمان قال أنس رضي الله عنه لو شئت أن أعد شمطات كن في لحيته قال وخضب أبو بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم رواه البخاري في الصحيح عن سليمان بن حرب ورواه مسلم عن أبي الربيع.
وعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت إلينا شعرا من شعر النبي صلى الله عليه و سلم مخضوبا رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل عن سلام بن أبي مطيع قال البخاري وقال أبو نعيم نا نصير بن أبي الأشعث عن بن موهب أن أم سلمة رضي الله عنها أرته شعر النبي صلى الله عليه و سلم أحمر وروينا عن أبي رمثة أنه انطلق نحو النبي صلى الله عليه و سلم فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء .
"ويلحظ مما تقدم من الأحاديث ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خضب، مثل حديث أبي رمثة وحديث ابن عمر رضي الله عنهم، ومنها ما ينفي ذلك مثل حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن الأحاديث أيضا ما حدد عدد شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث أنس عن حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس بن مالك : هل شاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال ما شانه الله بشيب ما كان في رأسه ولحيته سوى سبع عشرة أو ثمان عشرة شعرة( )
قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم
فهذا الحديث حدد الشيب بعدد معيّن ، بينما وردت أحاديث أخر دلت على أن الشيب أزيد من هذاالعدد، مثل حديث ابن عمر"( )قال السفاريني
"َانَ الشَّيْبُ الَّذِي فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ , مَعَ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا كَالصِّدِّيقِ قَدْ شَابُوا .
قَالُوا وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لُطْفُ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ بِنِسَائِهِ ( صلى الله عليه وسلم ) وَرَضِيَ عَنْهُنَّ ; لأَنَّ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ أَنْ تَنْفِرَ طِبَاعُهُنَّ مِنْ الشَّيْبِ , وَمَنْ نَفَرَ طَبْعُهُ مِنْ الرَّسُولِ خُشِيَ عَلَيْهِ , فَلَطَفَ اللَّهُ بِهِنَّ فَلَمْ يَشِبْ شَيْبًا تَعَافُهُ النِّسَاءُ .مَعَ أَنَّ الشَّيْبَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ غَيْرُ مُنَفِّرٍ وَلَكِنْ جَلَّتْ حِكْمَةُ الْبَارِي( ) .

وقد جمع العلماء رحمهم الله بين الأحاديث التي تثبت خضاب النبي أو الاحاديث التي نفت الخضاب عنه ورجحوا ما يأتي
أولاً : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خضب.
"قال ابن كثير، رحمه الله: ونفي أنس للخضاب معارض بما تقدم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقررة أن الإثبات مقدم على النفي، لأن المثبت معه زيادة علم ليست مع النافي.
ثانياً : أن إثبات غير أنس من الصحابة لأزيد مما ذكر من الشيب مقدم لا سيما ما جاء عن ابن عمر الذي يظن أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة؛ ذلك أن اطلاعها أتم من اطلاع أنس؛ لأنها ربما فلت رأسه الكريم عليه الصلاة والسلام"( ).

باب الحناء في الاحرام

( اختلف العلماء في الحناء ، هل هي طيب أم لا؟ فقد روى البيهقي بإسناده في السنن الكبرى عن عائشة رضي الله عنها أنه قيل لها: ما تقولين في الحناء والخضاب؟ قالت: كان خليلي لا يحب ريحه، ثم قال البيهقي: فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولا يحب ريح الحناء منه. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَهَذَا قد أسْندهُ فِي البيهقي في«سنَنه» بِإِسْنَاد حسن ، قَالَ : وَمَعْلُوم أَنه كَانَ يحب عليه الصلاة والسلام الطّيب فَيُشبه أَن يكون الْحِنَّاء غير دَاخل فِي جملَة الطّيب . وَهَذَا قد قدمْنَاهُ عَن شيبَة أَيْضا) ( ).
وقال صاحب الجوهر النقي: بعد أن ذكر كلام البيهقي الذي ذكرنا:
( وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم خلاف هذا. قال أبو عمر في التمهيد: ذكر ابن بكير عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن خولة بنت حكيم، عن أمها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة: "لا تطيبي، وأنت محرمة ولا تمسي الحناء فإنه طيب" رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة، من هذا الوجه وَقَالَ : إِسْنَاده ضَعِيف ؛ ففِيهِ ابْن لَهِيعَة غير مُحْتَج بِهِ( ).
" وقد عد أبو حنيفة الدينوري وغيره: من أهل اللغة: الحناء من أنواع الطيب"( ).
"قال النوويً: الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق: ولا فدية، وبه.
و قال مالك، وأحمد، وداود: وقد قدمنا أن الخِضاب بالحناء: يوجب الفدية عند المالكية، ثم قال النووي: وقال أبو حنيفة: هو طيب يوجب الفدية، وإذا لبس ثوباً معصفراً: فلا فدية، والعصفر: ليس بطيب هذا مذهبنا، وبه قال أحمد وداود، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر"( ).





باب مخالفة اليهود والنصارى في الخضاب

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ».
قال صاحب كتاب عون المعبود: " والحديث يدل على أن العلة في شرعية الخضاب هي مخالفة أهل الكتاب وبهذا يتأكد استحباب الخضاب.
يقول شيخ الاسلام أبن تيمية:
"في هذا الحديث رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل هذا الترتيب على أنه علة له من غير وجه حيث قال: ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)) فإنه يقتضي أن علة الأمر بهذه المخالفة: كونهم لا يصبغون فالتقدير: اصبغوا لأنهم لا يصبغون، وإذا كان علة الأمر بالفعل عدم فعلهم له دل على أن قصد المخالفة لهم ثابت بالشرع". ولو تأملنا هذا الحديث لوجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بمخالفتهم فيما يعتبر تركه مشابهة لهم، قال المناوي: "وإذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس من فعلنا فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى" أي أن النهي عن ما يكون تكلُّف فِعْلِه: تشبهاً، أولى من النهي عن ما يكون تركه على ما هو عليه تشبهاً بهم، وقد نهى عن الفعل الأخير، فيكون قد نهى عن المرجوح فالنهي عن الراجح _ وهو تكلف التشبه بهم _ أولى، وهو المطلوب في الشريعة الإسلامية".والأمر بالصبغ في الحديث إنما هو فرد من أفراد جنس المخالفة وليس خاصاً بالصبغ فحسب، بل هو أمر بالمخالفة في هذا الفعل؛ لأن طريقة الشريعة هي مخالفة المشركين بكل طريق.
وهنا يسوق شيخ الإسلام مثالاً فيقول: "فإذا رؤي رجل هم بزنا فقيل له: اتق الله كان أمراً له بعموم التقوى داخلاً فيه الأمر بخصوص ترك ذلك الزنا؛ لأن سبب اللفظ العام لا بد أن يدخل فيه كذلك إذا قيل: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم، كان أمراً بعموم المخالفة داخلاً فيه المخالفة بصبغ اللحية لأنه سبب اللفظ العام"، ولذا يقرر الأصوليون أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد يكون الحكم مسوقاً في قصة حديث من الأحاديث النبوية، فيكون _ الحكم _ شاملاً لتلك الحادثة، ولمثيلاتها إذا كانت تدخل في صورة تلك الحادثة وتندرج في عمومها".( )






باب الحناء والكتم

الكتم بفتح الكاف والمثناة الفوقية وهو نبت يشبه ورق الزيتون يخلط بالوسمة ويختضب به ولا يعارضه النهي عن الخضاب بالسواد لأن الكتم إنما يسوّد منفرداً( ) وقد كانوا يخلطونه مع الحناء الاصفر ويصبغون به.
"والكتم َلَهُ ثَمَرٌ فِي قَدْرِ حَبِّ الْفُلْفُلِ فِي دَاخِلِهِ نَوَى إذَا نَضَجَ اسْوَدَّ ، وَإِذَا اُسْتُخْرِجَتْ عُصَارَةُ وَرَقِهِ وَشُرِبَ مِنْهَا قَدْرُ أُوقِيَّةٍ تَقَيَّأَ قَيْئًا شَدِيدًا ، وَيَنْفَعُ مِنْ عَضَّةِ الْكَلَبِ .
وَأَصْلُ الْكَتَمِ إذَا طُبِخَ بِالْمَاءِ كَانَ مِنْهُ مِدَادٌ يُكْتَبُ بِهِ ، وَبِزْرُ الْكَتَمِ إذَا اُكْتُحِلَ بِهِ حَلَّلَ الْمَاءَ النَّازِلَ فِي الْعَيْنِ وَأَبْرَأَهُ .
وَقِيلَ : الْكَتَمُ هُوَ الْوَشْمَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَالْوَشْمَةُ هِيَ وَرَقُ النِّيلِ حَارَّةٌ فِي آخِرِ الْأُولَى يَابِسَةٌ فِي الثَّانِيَةِ فِيهَا قَبْضٌ وَجَلَاءٌ وَتُخْصِبُ الشَّعْرَ "( ).

عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم.
وأما اختلاط الحناء والكتم ، ليتميز بين الشيخ والشاب فجائزة ، كما في موطأ محمد ج3ص258 . والكتم تجلب من اليمن على الصحيح وليس من النيل كما يدعون.
قال أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري في كتابه النهاية في غريب الاثر:
ولَعَلَّ الحديث بالحِنَّاء أو الكَتَم على التَّخْيير ولكن الرِّوايات على اخْتِلاَفها بالحِنَّاء والكَتم ( )
وقال الحافظ في الفتح وهذا يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع .
وقد أخرج مسلم من حديث أنس قال: اختضب أبو بكر بالحناء والكتم واختضب عمر بالحناء بحتا وقوله بحتا بموحدة مفتوحة ومهملة ساكنة بعدها مثناة أي صرفا هذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائما فالصبغ بهما معا يخرج بين السواد والحمرة انتهى( ).
"واستخدام الأصباغ الحديثة في تغيير الشيب غير الحناء والكتم ليس به بأس إذا لم تكن سواداً، ولا تغطي الشعر، وإنما تغير لونه؛ لأن التغطية إذا حصلت لا يصل إليه الماء، ولكن إذا كانت لا تغطيه وإنما تغير لونه فلا بأس بها.
واستخدام الكتم وحده قد يظهر من بعيد كأنه أسود خالص، ولكن الذي يظهر أنه لا بأس به، فيستخدم الحناء وحده أو الكتم وحده، أو يجمع بينهما، كل ذلك سائغ"( ).
"أما الحديث الذي أورده أبو داود رحمة الله عليه عن ابن عباس : (مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب بالحناء فقال: ما أحسن هذا! ثم مر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: هذا أحسن من هذا، ثم مر ثالث قد خضب بالصفرة فقال: هذا أحسن من هذا كله)، وهذا فيه ترتيب هذه الألوان؛ لأن أحسن هذه الألوان الثلاثة: الصفرة، ثم الكتم، ثم يليه الحناء؛ فهذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده رجلاً مجهولاً( ).

باب سنة الخضاب

مر فيما سبق أحاديث صحيحة أمرت في الخضاب وحثّت عليه ولعل أقواها حجة هو حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ». وحديث جابر رضي الله عنه قال : ( أُتي بأبي قحافة والد أبي بكر يوم فتح مكة ، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً ، فقال رسول الله ( : غيروا هذا واجتنبوا السواد ) . رواه مسلم.فهذه الاحاديث وغيرها دلّت على مسنونيّة الخضاب.
إلا أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في أمر مخالفة اليهود في الخضاب : هل الامر على سبيل الندب أم الاستحباب أم السنّة؟.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير واصبغوها ندباً وقيل وجوباً بنحو حناء مما لا سواد فيه ( ولا تشبهوا باليهود ) في ترك الخضاب فإنهم لا يخضبون) ( ).

قال جلال الدين السيوطي:
"اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب فقال بعضهم ترك الخضاب أفضل ورووا فيه حديثا مرفوعا في النهي عن تغيير الشيب ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يغير شيبه وروي هذا عن عمر وعلي وأبي وآخرين وقال آخرون الخضاب أفضل وخضب جماعة من الصحابة قال وقال الطبري الأحاديث في الأمر بتغيير الشيب والنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض ولا ناسخ ومنسوخ بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة والنهي لمن شمط فقط قال واختلاف فعل السلف في الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض قاله القاضي وقال غيره هو على حالين فمن كان في موضع عادة أهله الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكروه والثاني أن يختلف باختلاف نظافة المشيب فمن كانت شيبته نقية أحسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستبشع فالصبغ أولى وقال النووي (14 / 80) الأصح الأوفق للسنة وهو مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بحمرة أو صفرة ويحرم خضابه بالسواد وقيل يكره" ( ).
قال أبو سليمان الخطابي:
"كان يخضب بالحناء والكتم خلق كثير من الصحابة ومن بعدهم وقد ذكرتهم في كتاب ( ( الشيب والخضاب ) ) فإن قال قائل فما فائدة خضاب الشيب؟ قيل له: فيه ثلاث فوائد: إحداها امتثال أمر الشارع فإنه قال ( ( غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ) والفائدة الثانية تختص المرأة. والنساء يكرهن الشيب جدا فإذا غير كان أقرب حالا عندهن وأصلح لمعاشرتهن. والفائدة الثالثة تختص بالرجل وهو أن الشيب يؤثر فيه صورة ومعنى. فأما الصورة فيشينه. ولهذا قال أنس في صفة النبي {صلى الله عليه وسلم}: ما شانه الله ببيضاء فقيل له: أوَشَيْنٌ هو؟ فقال: كلكم يكرهه. وأما في المعنى فإنه يضعف الأمل ويقطع القلب لعلم الإنسان بقرب الأجل. وربما قال قائل: فنحن إنما ندور على ما يقصر الأمل ويذكر بالآخرة فكيف نشرع فيما ينسينا فالجواب أن الناس في هذا يختلفون فمنهم الشديد الغفلة عن الآخرة فيحتاج إلى الموقظات ومنهم الشديد اليقظة فيحتاج إلى التعديل بالمباحات ومتى نصب الإنسان ذكر الموت بين عينيه ولم يغالط نفسه وتبسط لها في أملها لم يقدر على نشر علم ولم ينتفع بعيش وهذا لا يفهمه إلا العلماء فإن قال قائل فما الذي ينفع العالم العاقل من تغطية شيء يعلم باطنه فالجواب أن النفس تقنع بستر الأحوال فطبع البشرية يتشاغل بالظواهر ويستريح لها" ( ).
قال الالباني ومسألة الخضاب وقول العلماء (فلان يخضب وفلان لا يخضب) كل هذا تفريق بين أهل السنة وغيرهم .فالعلماء رحمهم الله أرادوا بذلك أن يفرقوا بين من يتمسك بالسنة ومن لا يتمسك بها وإن كان من كبار العلماء. لأنه ما من أحد أحاط بالسنة علما فضلا عن العمل . وقد ذكر عن أحمد رحمه الله أنه يخشى أن يكون الخضاب فرضا لتوافر الأحاديث الدالة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم : (إن اليهود والنصارى لا يخضبون فخالفوهم) وقد عقد أحمد رحمه الله في الجزء الأول من العلل باب : (ذكر من كان يخضب من المحدثين) . ويقول أبو الحسن : أنه ربما كان هذا تفريقا بين أهل السنة والشيعة ولكن يعكر على هذا أن كثيرا من كبار علماء أهل السنة كانوا لا يخضبون) ( ) .
قال الامام أحمد : " إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به ، وسأل رجلاً فقال : لِمَ لم تختضب ؟ فقال : أستحي ، قال : سبحان الله ،إنها سنة رسول الله.( )
(وممن كان يخضب لحيته حمراء قانية أبو بكر وعمر ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن أبي أوفى والحسن بن علي وأنس بن مالك و عبد الرحمن بن الأسود وخضب علي مرة ثم لم يعد وممن كان يصفر لحيته عثمان بن عفان رضي الله عنه وأبو هريرة وزيد بن وهب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن بسر وسلمة بن الأكوع وقيس بن أبي حازم وأبو العالية وأبو السواد وأبو وائل وعطاء والقاسم والمغيرة بن شعبة والأسود و عبد الرحمن بن يزيد ويزيد بن الأسود وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة.
وروي عن علي وأنس أنهما كانا يصفران لحاهما والصحيح عن علي رضي الله عنه أنه كانت لحيته بيضاء وقد ملأت ما بين منكبيه) ( ). فقد ذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: رأيت علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية قد ملأت ما بين منكبيه وقال أبو عائشة التيمي رأيت عليا أصلع أبيض الرأس واللحية .
وكان السائب بن يزيد وجابر بن زيد ومجاهد وسعيد بن جبير لا يخضبون ذكر الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي يخضب لحيته حمراء قانية. وقال أيضاً: رأيت الليث بن سعد يخضب بالحناء ورأيت مالك بن أنس لا يغير الشيب وكان نقي البشرة ناصع بياض الشيب حسن اللحية لا يأخذ منها من غير أن يدعها تطول قال ورأيت عثمان بن كنانة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وعبد الله بن نافع و عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب وأشهب ابن عبد العزيز لا يغيرون الشيب ولم يكن شيبهم بالكثير يعني ابن القاسم وابن وهب وأشهب وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أبو مسلم قال حدثنا سفيان قال كان عمرو بن دينار وأبو الزبير وابن أبي نجيح لا يخضبون) ( ).
وقال عدي بن عدي :
"رأيت جابر بن عبد الله أبيض الرأس واللحية ، وقال جرير بن حازم :رأيت عطاء بن أبي رباح ،ورجاء بن حيوة ، ومكحولا ، والحكم ابن عتيبة لحاهم بيض.


باب الخضاب بالسواد
ابحث /يخضبه بسواد / السواد /الاسود/خضاب الشيب
"عن ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِى قَبِيلٍ الْمَعَافِرِىِّ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ صَبَغَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالسَّوَادِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ : أَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : عَهْدِى بِكَ شَيْخًا وَأَنْتَ الْيَوْمَ شَابٌّ عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا خَرَجْتَ فَغَسَلْتَ هَذَا السَّوَادَ".
"قَالَ شَمْس الدِّين اِبْن الْقَيِّم رَحِمَهُ اللَّه : إِنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَغْيِير الشَّيْب أَمْرَانِ : أَحَدهمَا : نَتْفه . وَالثَّانِي : خِضَابه بِالسَّوَادِ , وَاَلَّذِي أَذِنَ فِيهِ : هُوَ صَبْغه وَتَغْيِيره بِغَيْرِ السَّوَاد , كَالْحِنَّاءِ وَالصُّفْرَة , وَهُوَ الَّذِي عَمَله الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . قَالَ الْحَكَم بْن عَمْرو الْغِفَارِيُّ " دَخَلْت أَنَا وَأَخِي رَافِع عَلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب وَأَنَا مَخْضُوب بِالْحِنَّاءِ , وَأَخِي مَخْضُوب بِالصُّفْرَةِ , فَقَالَ عُمَر : هَذَا خِضَاب الْإِسْلَام , وَقَالَ لِأَخِي : هَذَا خِضَاب الْإِيمَان " . وَأَمَّا الْخِضَاب بِالسَّوَادِ : فَكَرِهَهُ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد : تُكْرَه الْخِضَاب بِالسَّوَادِ ؟ قَالَ : أَيْ وَاَللَّه . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة مِنْ الْمَسَائِل الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا , وَقَدْ جَمَعَهَا أَبُو الْحَسَن , وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّن التَّلْبِيس , بِخِلَافِ الصُّفْرَة . وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّن بِهِ لِبَعْلِهَا , دُون الرَّجُل . وَهَذَا قَوْل إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا فِي حَقّ الرِّجَال , وَقَدْ جَوَّزَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ خِضَاب الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مَا لَمْ يُجَوَّز لِلرَّجُلِ , وَاللَّهُ أَعْلَم" ( )

"فأما الخضاب بالسواد فقد يروى أن بعض العلماء ممن كان يقاتل في سبيل اللّه تعالى كان يخضب بالسواد ولكن لم يكن هذا يخضب به لأجل الهوى وتدليس الشيب إنما كان يعدّ هذا من أعداد القوة من العدة لأعداء اللّه تعالى بمعنى قول اللّه عزّ وجلّ : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) الأنفال : 60 وإظهار الشباب من القوة وقد رمل رسول اللّه ( صلى الله عليه وسلم ) واضطبع هو وأصحابه ليراهم الكفار فيعلموا أنّ فيهم جلداً وقوة ، ومن صنع شيئاً بنية خالصة صالحة يريد بذلك وجه اللّه تعالى وكان عالماً بما يفعله فهو فاضل في علمه وفعله "( ).

وعَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« يَكُونُ فِى آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَخْتَضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ لاَ يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ »
"( يخضبون ) بكسر الضاد المعجمة أي يغيرون الشعر الأبيض من الشيب الواقع في الرأس واللحية ( بالسواد ) أي باللون الأسود ( كحواصل الحمام ) أي كصدورها فإنها سود غالبا .
وأصل الحوصلة المعدة والمراد هنا صدره الأسود قال الطيبي معناه كحواصل الحمام في الغالب لأن حواصل بعض الحمامات ليست بسود ( لا يريحون ) أي لا يشمون ولا يجدون ( رائحة الجنة ) يعني وريحها توجد من مسيرة خمس مائة عام كما في حديث فالمراد به التهديد أو محمول على المستحل أو مقيد بما قبل دخول الجنة من القبر أو الموقف أو النار وقد ذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضاب بالسواد وجنح النووي إلى أنها كراهة تحريم وأن من العلماء من رخص فيه في الجهاد ولم يرخص في غيره ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل واختاره الحليمي.

قال الراجحي:"ولقد روي في بعض الحديث: إن السواد خضاب الكفار فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب ؟.وهذا الحديث ضعيف، أخرجه الطبراني والحاكم وقال الذهبي وغيره: حديث منكر، كما ذكر المحشِّي. لكن على فرض صحته، فليس معناه أن الخضاب بالسواد يكون كفرا، وإنما يكون معصية؛ ولهذا قال المؤلف: فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟!.بل تكون معصية، ويكون صاحبها ضعيف الإيمان، هذا لو صح. "( ).

وقد رخص في خضاب السواد طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد واختاره ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له وأجاب عن حديث ابن عباس (يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة) بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم وعن حديث جابر جنبوه السواد بأنه في حق من صار شيب رأسه مستبشعاولا يطرد ذلك في حق كل أحد ( )"

ولم يكرهه قوم ، قال الشعبي :رأيت الحسن بن علي قد خضب بالسواد. وقال معمر عن الزهري :كان الحسين بن علي يخضب بالسواد ، قال معمر : ورأيت الزهري يغلف بالسواد .
وقال ابن شهاب عن سعد بن أبيوقاص : إنه كان يخضب بالسواد. وروي أن أبا سلمة بن عبد الرحمن كان يخضب بالسواد. وسئل محمد بن علي عن الوسمة فقال : هو خضابنا أهل البيت. وقال معمر عن قتادة : رخص في صباغ الشعر بالسواد للنساء. وعن حماد بن سلمة ، عن أم شبيب قالت : سألنا عائشة عن تسويد الشعر ؟ قالت : لوددت أن عندي شيئا سودت به شعري. وقال مالك في صبغ الشعر بالسواد : لم أسمع في ذلك بشيء ، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي ، وترك الصبغ كله واسع للناس. وقال أيوب عن محمد بن سيرين : لا أعلم بخضاب السواد بأسا إلا أن يغر به رجل امرأة"( ).
قال أبن بطال في شرح البخاري:
"قد اختلف السلف قبلنا فى تغيير الشيب ، فرأى بعضهم أن أمر النبى - عليه السلام - بصبغه ندب ، وأن تغييره أولى من تركه أبيض . ذكر من رأى ذلك : روى عن قيس بن أبى حازم قال : كان أبو بكر الصديق يخرج إلينا وكأن لحيته (صرام العرفج) (شرح المعنى) من الحناء والكتم . وعن أنس أن أبا بكر وعمر كان يخضبان بالحناء والكتم ، وكان الشعبى وابن أبى مليكة يخضبان بالسواد ويقول : هو اسكن للزوجة وأهيب للعدو ، وعن أبن مليكة أن عثمان كان يخضب بالسواد ، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يخضبون بالسواد ، ومن التابعين : على بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو برده . وروى ابن وهب ، عن مالك قال : لم أسمع فى صبغ الشعر بالسواد بنهى معلوم ، وغيره أحب إلى . وممن كان يخضب بالصفرة على بن أبى طالب ، وابن عمر ، والمغيرة بن شعبة ، وجرير البجلى ، وأبو هريرة ، وأنس بن مالك ، ومن التابعين عطاء ، وأبو وائل ، والحسن ، وطاوس ، وسعيد بن المسيب . واعتل مغيرو الشيب من حديث أبى هريرة وغيره ، بما رواه مطر الوراق ، عن أبى رجاء ، عن جابر قال : جيء بأبى قحافة إلى النبي ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة بيضاء ، فأمر رسول الله أن يغيروه ، فحمروه .
ورأى آخرون ترك الشعر أبيض من تغييره وأن الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام نهيه عن تغييره الشيب ، وقالوا : توفى النبى عليه الصلاة والسلام وقد بدا فى عنفقه ورأسه الشيب ، ولم يغيره بشىء ولو كان تغييره الاختيار لكان هو قد آثر الأفضل . ذكر من راى ذلك : قال أبو إسحاق الهمدانى : رايت على بن أبى طالب ابيض الرأس واللحية . وقاله الشعبى ، وكان أبى بن كعب ابيض اللحية ،. واعتلوا بما روى أبو إسحاق عن أبى جحيفة قال : ( رايت النبى عليه السلام عنفقه بيضاء ) . والصواب عندنا الآثار التى رويت عن النبى عليه السلام بتغيير الشيب وبالنهى عن تغييره كلها صحاح ، وليس فيها شىء يبطل معنى غيره ، ولكن بعضها عام وبعضها خاص ، فقوله عليه السلام : ( خالفوا اليهود وغيروا الشيب ) المراد منه الخصوص ، ومعناه : غيروا الشيب الذى هو نظير شيب أبى قحافة ، وأما من كان اشمط فهو الذى أمره النبى عليه السلام ألا يغيره وقال : ( من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورًا ) . فإن قيل : ما لدليل على ذلك ؟قيل : لا يجوز أن يكون من النبى عليه السلام قولان متضادان فى شىء واحد فى حالة واحدة إلا وأحدهما ناسخ للآخر ، فإذا كان ذلك كذلك فغير جائز أن يكون الناسخ منهما إلا معلومًا عند الأمة . ولما وردت الأخبار بنقل العدول أنه أمر بتغيير الشيب ، وأنه نهى عن تغييره ، ولم يعلم الناسخ منهما فينتهوا إليه كان القول فى ذلك أن الذين غيروا شيبهم كشيب من أصحاب النبى إنما غيروا فى الحالة التى كان فيها شيبهم كشيب أبى قحافة أو قريبا منه ، وأما الذين أجازوا ترك تغييره كان شيبهم مخالفًا لشيب ابى قحافة إما بالشمط أو بغلبة السواد عليه ، كالذى روى عن النبى أنه لم يغير شيبه لقلته ، مع أن تغيير الشيب ندب لا فرط ، ولا ارى مغير ذلك وإن كان قليلاً حرجًا بتغييره ، إذ كان النهى عن ذلك نهى كراهة لا تحريمًا لإجماع سلف الأمة وخلفها على ذلك ، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب ، ولو يكن كذلك كان تاركو التغيير قد انكروا على المغيرين ، أو أنكر المغيرون على تاركى التغيير. انتهى( )
قلت:إن بعض العلماء أكدوا من خلال النصوص أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يختضب. وقالوا بأنه عليه الصلاة والسلام توفي وكان في لحيته عدد من الشعر الاشيب . وقد ثبت كذلك أنه أمر بالصبغ وبمخالفة اليهود والنصارى لأنهم لا يصبغون . فكيف نوفق بين قوله وفعله؟. والجواب على ذلك: أن علماء الحديث أجمعوا على أنه لو تعارض فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع قوله. فيُنظر في القول والفعل. فإن كان هناك إمكانية للتوفيق بينهما فإنه يؤخذ بذلك التوفيق . وإن ظهر في القول نسخ للفعل أو الفعل كان نسخ للقول اُخذ بذلك أيضاً . فإن استحال التوفيق بين القول والفعل أو لم يظهر بالدليل القطعي ناسخ أو منسوخ أو خصوصية فإنه عند ذلك يؤخذ بالقول ويترك الفعل.ارجع الى سؤالات.....

باب ما جاء في الخضاب مأخوذ من كتاب تحفة الاحوذي تأليف /محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري
قال الامام أحمد في مسنده : عن أبي الزبير عن جابر قال أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي قحافة أو جاء عام الفتح ورأسه ولحيته مثل الثغام أو مثل الثغامة قال حسن فأمر به إلى نسائه قال غيروا هذا الشيب قال حسن قال زهير قلت لأبي الزبير قال جنبوه السواد قال لا انتهى وزهير هذا هو زهير بن معاوية المكنى بأبي خيثمة أحد الثقات الأثبات وحسن هذا هو حسن بن موسى أحد الثقات
ورد هذا الجواب بأن حديث جابر هذا رواه بن جريح والليث بن سعد وهما ثقتان ثبتان عن أبي الزبير عنه مع زيادة قوله واجتنبوا السواد كما عند مسلم وأحمد وغيرهما وزيادة الثقات الحفاظ مقبولة والأصل عدم الادراج
وأما قول أبي الزبير لا في جواب سؤال زهير فمبني عليه أنه قد نسي هذه الزيادة وكم من محدث قال قد نسي حديثه بعد ما أحدثه وخضب بن جريج بالسواد لا يستلزم كون هذه الزيادة مدرجة كما لا يخفى . ومنها حديث بن عباس رواه أبو داود وغيره عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة فهذا الحديث صريح في حرمة الخضاب بالسواد . وأجاب المجوزون عن هذا الحديث بوجوه ثلاثة:
الأول أن في سنده عبد الكريم بن أبي المخارق أبا أمية كما صرح به بن الجوزي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه . وقد رد هذا الجواب بأن عبد الكريم هذا ليس هو بن أبي المخارق أبا أمية بل هو عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد وهو من الثقات
قال الحافظ بن حجر في القول المسدد أخطأ بن الجوزي فإنما فيه عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح انتهى
وقال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو بن أبي المخارق وضعف الحديث بسببه والصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري وهو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما انتهى
والثاني أن الوعيد الشديد المذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد بل على معصية أخرى لم تذكر كما قال الحافظ بن أبي عاصم ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضب بالسواد إذا لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح
والثالث أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع لا مطلقا جمعا بين الأحاديث المختلفة وهو حرام بالاتفاق
ومنها حديث أنس رواه أحمد في مسنده عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: غيروا الشيب ولا تقربوه السواد
وأجيب عنه بأن في سنده بن لهيعة وهو ضعيف
قال الحافظ في التلخيص قال البيهقي أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة وترك الاحتجاج بما ينفرد به انتهى ثم هو مدلس ورواه عن خالد بن أبي عمران بالعنعنة
ومنها حديث أبي الدرداء مرفوعا من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة أخرجه الطبراني وبن أبي عاصم
ومنها حديث بن عمر مرفوعا الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر أخرجه الطبراني والحاكم
ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه من غير البياض بالسواد لم ينظر الله إليه ذكره الحافظ في لسان الميزان
وأجيب عن هذه الأحاديث الثلاثة بأنها ضعيفة لا يصلح واحد منها للاحتجاج
أما الأول فقد ضعفه الحافظ في الفتح كما عرفت وأما الثاني فقال المناوي في التيسير
أنه منكر
وأما الثالث ففي سنده محمد بن مسلم العنبري وهو ضعيف كما في الميزان واللسان
هذا وقد ذكرنا دلائل المجوزين والمانعين مع بيان مالها وما عليها فعليك أن تتأمل فيها
وقد جمع الحافظ بن القيم في زاد المعاد بين حديث جابر وحديث ابن عباس المذكورين بوجهين فقال فإن قيل قد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد والكتم يسود الشعر فالجواب من وجهين أحدهما أن النهي عن التسويد البحت
فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة فإنها تجعله أسود فاحما وهذا أصح الجوابين الجواب الثاني أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب شعر الجارية والمرأة الكبيرة تغر الزوج والسيد بذلك وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع فأما إذا لم يتضمن تدليسا ولا خداعا فقد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد الخ
قلت الجواب الأول هو أحسن الأجوبة بل هو المتعين عندي وحاصله أن أحاديث النهي عن الخضب بالسواد محمولة على التسويد البحت والأحاديث التي تدل على إباحة الخضب بالسواد محمولة على التسويد المخلوط بالحمرة
هذا ما عندي والله تعالى أعلم /

الكاتب/ تيسير الغول


View تيسير الغول's Photo Album رد مع اقتباس
قديم 09-24-2009, 07:32   رقم المشاركة : 2
الكاتب

رجائي الصمود

الصورة الرمزية رجائي الصمود

عضو مميز


الملف الشخصي


رجائي الصمود غير متواجد حاليآ بالمنتدى

من مواضيعي

» Camtasia Studio عملاق عمل الشروحات بالفيديو
» قصتي في الحسينيات
» منتدى حوارنا مقبرة للمخالفين ( تصميم )
» فتاوى العلماء حول صيام ست من شوال
» ҳ̸Ҳ̸ҳ تصاميمي عن غزة الجريحة ҳ̸Ҳ̸ҳ


 


افتراضي رد: كتاب مجمل الاقوال في خضاب الرجال

بارك اللــه فيك..

وجعل اللهم كتاباتك شاهدةٌ لك لا شاهدة عليك يوم القيامة..!

اخي الفاضل ممكن توضح معنى :


اقتباس
ونتف الفنيكين بدعة وهما جانبا العنفقة.

لم أفهم الفنيكين والعنفقة.. ماهما..؟!

وجزاك الله خيــر..


View رجائي الصمود's Photo Album رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أجمل, الاقوال, الرجال, خضاب, كتاب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

إعلانات

 
     
 
من هم الإباضية
سلفية آل البيت
الكتيبات الإسلامية
ابحث عن محفظ قرآن
موسوعات إسلامية
الأكاديمية الإسلامية
العشر الأخير
الأفكار الدعوية


بحث عن:

 
عودة و دعوة
تاريخ فلسطين
شبكة بلدى
الخرافة
جمعية الآل و الأصحاب
مبرة الآل و الأصحاب
متون التجويد
المتون العلمية
التسجيل تفعيل العضوية طلب كود التفعيل إسترجاع كلمة المرور أسماء المشرفين
مواضيع الإدارة قرارات إدارة المنتدى شكوى أو إقتراح هام لكل الأعضاء كيف تساهم معنا
 
     

الساعة الآن 08:07.


بدعم و تطوير من : البيان هوست
Powered by vBulletin V3.8.2. Copyright ©2000 - 2014

 

 

 

الرئيسية | التسجيل | تفعيل العضوية | طلب كود التفعيل | استرجاع كلمة المرور | البحث | لوحة التحكم